وهبة الزحيلي

168

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فيحكم في خلقه بما يشاء ، وهو العادل الذي لا يظلم الناس شيئا ، ولكن الناس أنفسهم يظلمون . وقوله ؛ وَعَدَّهُمْ عَدًّا تأكيد لما سبق . فقه الحياة أو الأحكام : موضوع هذه الآيات : تقرير التوحيد ، وإثبات العبودية الخالصة للّه ، وإنكار اتخاذ اللّه ولدا : قُلْ : هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، اللَّهُ الصَّمَدُ ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [ الإخلاص 112 / 1 - 4 ] . ومع هذا زعم اليهود والنصارى وبعض العرب القائلين بأن الملائكة بنات اللّه : أن للّه ولدا ، وحاشا للّه أن يتخذ ولدا ، إذ لا حاجة به إليه ، وهو منزه عن النقص والشريك والنظير والولد ، وتعدّ هذه المقالة منكرا عظيما ، وأمرا فظيعا ، وجرما شنيعا . حتى لتكاد تزول الأكوان ، فتنشق السماوات ، وتتصدع الأرض ، وتسقط الجبال بصوت شديد ، رفضا لهذا القول ، وإنكارا له ، وغضبا للّه عزّ وجلّ ؛ لأنها خلقت وأسست على الإقرار بتوحيد اللّه ؛ ولأن الولد يقتضي الحدوث ، ولا ولد إلا من والد ، واللّه سبحانه تعالى تنزه عن ذلك وتقدس . وما كل من في السماوات والأرض إلا وهو يأتي يوم القيامة مقرّا للّه بالعبودية ، خاضعا ذليلا ، كما قال تعالى : وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ [ النمل 27 / 87 ] أي ذليلين صاغرين ؛ لأن الخلق كلهم عبيده ، فكيف يكون واحد منهم ولدا له عزّ وجلّ ؟ تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا . وهذه الآية : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً دليل على أنه لا يجوز أن يكون الولد مملوكا للوالد ، فإن اللّه تعالى أبان المنافاة بين الأولاد والملك ، فإذا ملك الوالد ولده بنوع من التصرفات ، عتق عليه